فيه ناس تعشق كل جديد، وتبرد تجاه كل ما تملك. تنبهر بأول لقاء، وتمل قبل أن تفهم. تنتقل من علاقة لعلاقة، من صديق لصديق، وأحياناً — وهنا الجرح الأكبر — من حبيب لحبيب.
الكثير يظن إن هذا الجوع صنعته الإعلانات. الحقيقة أعمق وأصعب: الإعلان ما اخترع الجوع، هو بس عزف على وتر موجود فيك من الأساس. الإنسان مبرمج بيولوجياً إنه يشتعل مع الجديد ويخفت مع المألوف. شركات الهواتف تعرف هذا، فتطلع لك موديل كل سنة، لا لأن القديم خرب، بل لأنها تعرف إن اعتيادك عليه أطفأ إعجابك فيه. باعت لك الجديد، لكنها ما زرعت فيك الرغبة… فقط وجّهتها.
والمصيبة إن هذي البرمجة صُمّمت للأجهزة، فحملناها للبشر. صرنا نستبدل الإنسان مثل ما نستبدل الجهاز.
وهنا الفرق اللي يغيّر كل شي: الإنسان ليس منتَجاً، فلا تتعامل معه على هذا الأساس. الجهاز قيمته في وظيفته، والإنسان قيمته في عمقه. والعمق لا يُرى من السطح، ولا يُكتشف في أول لقاء.
نرجع للعلاقات. أنت تظن إن الشخص صار مملاً مع الوقت. الأصدق إن رغبتك في البداية عمّتك عن عيوبه، فلما خفّت الرغبة ظننت إنك اكتشفت شخصاً جديداً — وأنت بس فتحت عينك على شخص كان أمامك من الأول.
لكن الحجاب يشتغل باتجاهين، لا واحد. في البداية يخفي عنك العيوب. ومع الوقت يخفي عنك المحاسن — لأن كل ما اعتدت عليه يصير غير مرئي. فاللي يطارد الجديد مو هارب من إنسان ممل… هو هارب من عيون تعوّدت.
الجديد يعطيك اتساع البدايات. القديم وحده يعطيك عمق النهايات. ومن يقفز من علاقة لعلاقة، يقرأ الفصل الأول من كل كتاب، ويحرم نفسه من المعنى الوحيد اللي لا يسكن إلا في العمق.
الاختيار لك، لا لبرمجتك. والوعي بها… هو أول تحرر منها.







اترك رد