غالبًا ما نجد أنفسنا أسرى لتجاربنا الماضية، حيث يصبح ذوقنا واختياراتنا انعكاسًا لما خبرناه من قبل.
عندما نتذوق عصير برتقال جديد، لا يسعنا إلا أن نستحضر في أذهاننا مذاق عصائر البرتقال التي اعتدنا عليها. فإذا وجدنا فيه حموضة زائدة، قد نصفه بـ “حامض زيادة مقاربة”، ربما قاصدين حموضة غير مستحبة. لكن هل تساءلنا يومًا عن طبيعة عصير البرتقال “الطبيعي” الذي نقارن به؟ هل كان فعلًا طبيعيًا بالكامل؟ ربما كان العصير الجديد، بتلك الحموضة التي استنكرناها، هو الأقرب إلى الطعم الحقيقي للبرتقال، بينما كان ما اعتدنا عليه مجرد نسخة معدلة.
هنا يبرز سؤال جوهري: ماذا لو تذوقنا هذا العصير للمرة الأولى، دون أي مرجع سابق؟ ربما كنا سنستقبله بإحساس مختلف تمامًا، متذوقين حلاوته وحموضته بتوازن فريد، مستشعرين لذة جديدة دون ربطها بأي تجربة سابقة. لكن عقولنا، التي اعتادت على البحث عن أنماط ومقارنات، سرعان ما تبدأ في التفتيش عن أوجه تشابه مع ما نعرفه. قد نجد أنفسنا نقول: “حموضته تذكرني بعصير كذا، وحلاوته قريبة من فاكهة أخرى.” يصبح التفكير عملية تحليلية أساسها المقارنات، حتى في أبسط الأمور كتذوق عصير.
تمتد هذه العقلية التحليلية المقارنة لتشمل جوانب أوسع في حياتنا. قد نزور مكانًا جديدًا ونعبر عن عدم رضانا عن درجة حرارة الجو لأنها لا تتوافق مع ما اعتدنا عليه في بلد آخر. قد ننظر إلى طبيعة دولة ما ونقلل من جمالها بمقارنتها بمناظر طبيعية أكثر إبهارًا رأيناها في مكان آخر. وهذا ينطبق بشكل خاص عندما يتعلق الأمر ببيئات مختلفة جذريًا. فبالنسبة لشخص نشأ في دولة صحراوية كالكويت، حيث الطبيعة غالبًا ما تكون صناعية وتحتاج إلى عناية فائقة، قد يجد في أي دولة أخرى ذات طبيعة بكر جمالًا يفوق ما ألفه، حتى لو كانت تلك الطبيعة في نظر آخرين عادية.
هنا، يصبح التفضيل أداة لتبرير وجهات نظرنا. فإذا أردنا إبراز جمال مكان ما، سنقارنه بما هو أقل منه. وإذا أردنا الانتقاص من قيمته، فسنبحث عن معيار أعلى للمقارنة. فنحن، كبشر، كائنات متغيرة، وما نقنع به أنفسنا يصبح هو الأساس الذي نبني عليه تفضيلاتنا ومقارناتنا.
في نهاية المطاف، تدعونا هذه التأملات إلى التفكير في القيود التي تفرضها علينا مقارناتنا. هل نفقد متعة التجربة الحقيقية عندما نسعى دائمًا لربطها بالماضي؟ وهل يمكننا أن نتحرر من هذا الوهم المقارن لنرى العالم بتفاصيله الفريدة والمدهشة، دون الحاجة إلى وضعه في قوالب الماضي؟ إن التحدي يكمن في أن نتعلم كيف نستقبل الجديد كما هو، بكل ما فيه من جمال أو اختلاف، دون أن نحتجب وراء ستار التجارب السابقة والتفضيلات المكتسبة.







أضف تعليق